محمود توفيق محمد سعد

201

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

الكمال ، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم ، وهي عين الدعاء ، فإنّه التوجه إلى المدعو وأعظم مجامعها الصلاة " « 1 » فهو كما سمعت أبرز معنى كلّ اسم من أسمائها من خلال مقصودها الأعظم الذي هو في الحقيقة المقصود الأعظم للقرآن الكريم . التّأمّل في معنى الاسم يهدي إلى إبصار ملمح من ملامح مقصود السورة ، فإذا ما استجمعت تلك الملامح ونسقتها واستبصرت فيها معنى كلّيا تدور عليه كنت على مقربة من تحقيق المقصود الأعظم للسورة . ويقول في سورة " يونس " عليه السّلام موضحا وجه اختصاص هذه السورة بهذا الاسم ، واختصاص قصة " يونس " عليه السّلام بأن تكون عنوان السورة على الرغم من أنه قد ذكر فيها غيرها من القصص : " نوح " عليه السّلام ( ي : 71 - 74 ) و " موسى " عليه السّلام ( ي : 75 - 93 ) ثم ذكرت آية واحدة في قصة قوم " يونس " عليه السّلام : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( يونس : 98 ) فيقول : " مقصودها : وصف الكتاب بأنّه من عند اللّه سبحانه وتعالى ، لما اشتمل عليه من الحكمة ، وأنّه ليس إلا من عنده سبحانه وتعالى لأنّ غيره لا يقدر على شيء منه ، وذلك دالّ بلا ريب على أنّه واحد في ملكه لا شريك له في شيء من أمره . وتمام الدليل على هذا قصة قوم " يونس " عليه السّلام بأنهم لمّا آمنوا عند المخايل كشف عنهم ، فدلّ قطعا على أنّ الآتي به هو اللّه الذي آمنوا به إذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم ، ولو عذبوا كغيرهم لقيل : هذه عادة الدهر ، كما قالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء . ودلّ ذلك على أنّ عذاب غيرهم من الأمم إنّما هو من عند اللّه سبحانه وتعالى لكفرهم لما اتسق من ذلك طردا بأحوال سائر الأمم من أنّه كلّما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب ، وعكسا منه كلّما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى واللّه الموفق " « 2 » فهذا دال على أنّ اختصاص " يونس " عليه السّلام بهذه السورة تسمية لما كان من خبر رفع العذاب عن قومه لإيمانهم حين معاينة العذاب ، وصدقهم في إيمانهم ، فكان من فيض قيومية الحق وأنّه فعّال لما يريد ، وأنّه هو الذي يعذب من شاء بما شاء ومتى شاء ولما شاء ، فذلك لحكمة هو بها

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 19 ( 2 ) - نظم الدرر : 9 / 61 - 62